فخر الدين الرازي

139

تفسير الرازي

المسألة الأولى : اختلفوا في الأمي فقال بعضهم هو من لا يقر بكتاب ولا برسول . وقال آخرون : من لا يحسن الكتابة والقراءة وهذا الثاني أصوب لأن الآية في اليهود وكانوا مقرين بالكتاب والرسول ولأنه عليه الصلاة والسلام قال : " نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " وذلك يدل على هذا القول ، ولأن قوله : * ( لا يعلمون الكتاب ) * لا يليق إلا بذلك . المسألة الثانية : " الأماني " جمع أمنية ولها معانٍ مشتركة في أصل واحد ، أحدها : ما تخيله الإنسان فيقدر في نفسه وقوعه ويحدثها بكونه ، ومن هذا قولهم : فلان يعد فلاناً ويمنيه ومنه قوله تعالى : * ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ) * ( النساء : 12 ) فإن فسرنا الأماني بهذا كان قوله : ( إلا أماني إلا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله تعالى لا يؤاخذهم بخطاياهم ) وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة . وثانيها : * ( إلا أماني ) * إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد ، قال أعرابي لابن دأب في شيء حدث به : أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته . وثالثها : * ( إلا أماني ) * أي إلا ما يقرأون من قوله : تمنى كتاب الله أول ليلة . قال صاحب " الكشاف " والاشتقاق منى من ، إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوز ما يتمناه ، وكذلك المختلق والقارئ يقدر أن كلمة كذا بعد كذا ، قال أبو مسلم : حمله على تمنى القلب أولى بدليل قوله تعالى : * ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم ) * ( البقرة : 111 ) أي تمنيهم . وقال الله تعالى : * ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ) * ( النساء : 123 ) وقال : * ( تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم ) * ( البقرة : 111 ) وقال تعالى : * ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) * ( الجاثية : 24 ) بمعنى يقدرون ويخرصون . وقال الأكثرون : حمله على القراءة أولى كقوله تعالى : * ( إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) * ( الحج : 52 ) ولأن حمله على القراءة أليق بطريقة الاستثناء لأنا إذا حملناه على ذلك كان له به تعلق فكأنه قال : لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه ، ثم إنهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل ، وإذا حمل على أن المراد الأحاديث والأكاذيب أو الظن والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادراً . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( إلا أماني ) * من الاستثناء المنقطع ، قال النابغة : حلفت يميناً غير ذي مثنوية * ولا علم إلا حسن ظن بغائب وقرئ " إلا أماني " بالتخفيف . أما قوله تعالى : * ( وإن هم إلا يظنون ) * فكالمحقق لما قلناه لأن الأماني إن أريد بها التقدير والفكر لأمور لا حقيقة لها ، فهي ظن ويكون ذلك تكراراً . ولقائل أن يقول : حديث النفس غير والظن غير فلا يلزم التكرار وإذا حملناه على التلاوة عليهم يحسن معناه ، فكأنه تعالى قال : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا بأن يتلى عليهم فيسمعوه وإلا بأن يذكرهم تأويله كما يراد فيظنون ، وبين تعالى أن هذه الطريقة لا توصل إلى الحق ، وفي الآية مسائل . أحدها : أن المعارف كسبية لا ضرورية فلذلك ذم من لا يعلم ويظن . وثانيها : بطلان التقليد مطلقاً وهو مشكل لأن